المقريزي
265
إمتاع الأسماع
وذكر من طريق أبي داود حديث هيثم عن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب الأنصاري ، عن أبيه عن جده : أنه كان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ رجل ( بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) ، فقال عمر : من أقرأكها ؟ قال : أقرأنيها ابن مسعود ، فقال له عمر . ( حتى حين ) ، وكتب إلى ابن مسعود : أما بعد ، فإن الله أنزل القرآن بلسان قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل . والسلام . قال ابن عبد البر : ويحتمل أن يكون هذا من عمر رضي الله عنه على سبيل الاختيار ، لأن ما قرأ به ابن مسعود لا يجوز أن يمنع منه ، وهذا أبيح لنا قراءته على كل ما أنزل فجائز الاختيار فيما أنزل . والله أعلم . وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله مثل قول عمر هذا ، أن القرآن نزل بلغة قريش بخلاف الرواية الأولى ، وهذا أثبت عنه لأنه من رواية ثقات المدينة ، وذكر حديث ابن شهاب عن أنس ، أن حذيفة قدم على عثمان ، وقول عثمان رضي الله عنه : فإن اختلفتم وزيد بن ثابت في شئ من القرآن فاكتبوه بلغة قريش ، فإن القرآن أنزل بلسانهم . وقال القاضي أبو بكر بن الطيب : معنى قول عثمان : فإنه نزل بلغة قريش ، يريد معظمة وأكثره ، ولم تقم دلالة قاطعة على أن القرآن بأسره نزل بلغة قريش فقط ، إذ فيه كلمات وحروف بخلاف لغة قريش ، وقد قال تعالى : ( جعلناه قرآنا عربيا ) ( 1 ) ، ولم يقل قرشيا ، وهذا يدل على أنه منزل بجميع لسان العرب ، وليس لأحد أن يقول : أنه أراد قريشا من العرب دون غيرها ، كما أنه ليس له أن يقول : أراد لغة عدنان دون قحطان ، أو ربيعة دون مضر ، لأن اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا . وقال ابن عبد البر : قول من قال : إن القرآن نزل بلغة قريش ، معناه عندي الأغلب ، والله أعلم ، لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القرآن من تحقيق
--> ( 1 ) الزخرف : 3 .